لا يقوم بناء متين على أساسات ضعيفة، والأمر نفسه ينطبق على المؤسّسات، لا سيّما القوية منها، كونها ضروريّة للتعافي من الأزمات وتحفيز التنمية الاقتصاديّة. يوجد في لبنان العديد من المؤسّسات المُستقلّة التي يفترض نظرياً أن تكون محميّة من التدخّلات السياسيّة وأن تساهم في تحسين الأداء القطاعي، لكنّها في الواقع تعاني من مشكلات هيكليّة جعلتها أداة لخدمة المصالح الراسخة، ما أدّى إلى انخفاض القدرة التنافسيّة للبلاد ووقف الاستثمارات.

تعمل المؤسّسات العامّة المُستقلّة، بحكم تصميمها، وفق آليّة خاصّة تسمح لها باتخاذ القرارات والتوظيف والوصول إلى الموارد باستقلاليّة تامّة. حُدِّدت خصائص هذه المؤسّسات عند إعادة هيكلتها في فترة ما بعد الحرب الأهليّة، وحاولت الحكومات المُتعاقبة في تلك المرحلة توسيع دور القطاع العام مع تطوير القطاع الخاص، فزادت الروابط بين رجال الأعمال والسياسيين كلّما توفّر مزيدٌ من التمويل، الذي تركّز في القطاع الخاص، ما أدّى إلى بروز وزراء ومسؤولين عموميين لديهم مصالح في زيادة أرباح القطاع الخاص، على الرغم من عملهم في مؤسّسات عامّة ومُستقلّة.

تبرز هذه الظاهرة بوضوح في قطاعي الصحّة والطاقة. في الواقع، أدّى التركيز على تعظيم الأرباح الخاصّة المُتأتية من تقديم الخدمات الصحّية إلى تفاقم عدم المساواة وإضعاف المستشفيّات الحكوميّة، في حين بقيت الإصلاحات في قطاع الكهرباء حبراً على ورق، ما جعل المواطنين ينظرون إلى هذا المرفق الوطني، أي مؤسّسة كهرباء لبنان، على أنه رمز للفساد.

عيوب هيكليّة

هناك اتجاهات واضحة تطغى على آليّات تشغيل المؤسّسات العامّة المُستقلّة في لبنان أبرزها ضعف الحوكمة، ووهم التمتّع بالاستقلاليّة الذي يكشفه عمق الانخراط السياسي في هذه المؤسّسات، وغياب المحاسبة.

ينشأ الفساد بالتوازي مع الاستقلاليّة وتوافر الموارد، وإنّما أيضاً نتيجة تنامي التدخّلات السياسيّة في عمليّة اتخاذ القرارات والتوظيف، وتتفاقم حدّته في ظلّ غياب آليّات تعزيز المسؤوليّة والمحاسبة حول إجراءات مُحدّدة. في الواقع، يؤدّي انخراط بعض الوزراء في عمليّة اتخاذ القرارات داخل هذه المؤسّسات إلى تزايد الغشاوة المُحيطة باستقلاليّتها المزعومة والحدود الفاصلة بينها وبين الوزراء، وهو ما أثّر عملياً على قرارات التوظيف، لا سيّما بعد تعديل مجلس الوزراء آليّات البتّ فيها وربطها بموافقته. عملياً، يعود غياب المحاسبة إلى الفجوات الهيكليّة داخل المؤسّسة الأمّ، وتمتدّ أوجه القصور على كلّ مراحل عملها بدءاً من التصميم وصولاً إلى التنفيذ، ويمكن تلخيصها بـ :

1) الغموض الذي يعتري الصلاحيّات الممنوحة للمؤسّسة ووظائفها؛ 

2) غياب الرقابة التنظيميّة أو ضعفها

3) التنسيق المُعيب في التقييم والتنظيم

في الواقع، تنصّ القاعدة العامّة على وجوب الفصل بين ملكيّة المؤسّسة ومجلس إداراتها وجهازها الإداري. من هنا، عندما لا تعود الحدود واضحة بين المالك أو المؤسّسة الأمّ والجهاز الإداري للمؤسّسة العامّة المُستقلّة، تصبح المسؤوليّة مُبعثرة وإمكانيّة الاستجابة للإجراءات مُستحيلة. ويتفاقم الوضع سوءاً في حال غياب الجهاز الرقابي للإشراف على أداء المؤسّسات الأخرى المُرتبطة بالقطاع الاقتصادي للمؤسّسة العامّة المُستقلّة. بالنتيجة، تنحرف المؤسّسة الأمّ عن ممارسة صلاحيّاتها وأداء دورها، ويحلّ الوزراء مكانها ويتحكّمون في عمليّة اتخاذ القرارات، معرّضين المؤسّسات العامّة المُستقلّة لمخاطر الفساد وتجذُّر المصالح الخاصّة اللاهثة وراء الكسب السريع. وتخلص النتيجة في مأسسة الفساد وتآكل ثقة المواطنين مع تحوّل هذه المؤسّسات نحو خدمة المصالح الخاصّة للمسؤولين الحكوميين بشكل مُتزايد.

إصلاحات فاشلة

مع تصاعد الأزمات الاقتصاديّة، تتضاعف الحاجة إلى الإصلاحات لأن الدول لا تعود قادرة على تحمّل تكلفة الوضع الراهن، وكذلك يتزايد تحوّل المواطنين نحو القطاع العام للحصول على الخدمات. مع ذلك، لا تجري الإصلاحات في فراغ، بل تُعتبر المؤسّسات القويّة شرطاً أساسيّاً لاعتمادها وتنفيذها.

في أعقاب الاحتجاجات التي شهدها لبنان في تشرين الأول/ أكتوبر2019، ومن ثمّ تخلّفه في آذار/ مارس 2020 عن سداد ديونه بالعملات الأجنبيّة للمرّة الأولى في تاريخه، زادت الدعوات إلى تعزيز الحوكمة في جميع القطاعات، ولكنّها قوبلت بغياب كامل للإرادة السياسيّة بما حال دون القيام بأي إصلاحات فعّالة، لا بل شهدت البلاد ظهور رُزْمة من "الإصلاحات التجميليّة"، التي تغرس وهماً بحدوث تغيير ما إنّما دون أن يكون لها أي انعكاسات فعليّة على النتيجة النهائيّة، ما يجعلها استمراراً للفساد المؤسّسي.

يتجلّى هذا الواقع بوضوح في قطاع الكهرباء. في تموز/ يوليو 2020، عيَّن مجلس الوزراء مجلس إدارة جديد لمؤسّسة كهرباء لبنان بعد فراغ دام لنحو عقدين، باعتباره أحد الإجراءات الإصلاحيّة المُنتظرة. لكن بدلاً من تعيين الأعضاء وفقاً لمعايير الخبرة والكفاءة والصدقيّة والاستقلاليّة، لجأ مجلس الوزراء في خياراته إلى التحاصص الطائفي والسياسي. بعد أسابيع قليلة على تعيينه، خاض مجلس الإدارة الجديد اختباره الأوّل بُعيْد انفجار مرفأ بيروت، الذي ألحق أضراراً جسيمة بمقرّ المؤسّسة الرئيسي، وحصد مئات الوفيّات وآلاف الإصابات، وأدّى إلى فقدان مركز التحكّم الوطني وبيانات المؤسّسة من دون أن يكون هناك أية سجّلات ومحفوظات رقميّة عنها. مع ذلك، بدلاً من إطلاق ورشة عمل تطويريّة داخل المؤسّسة، دخل مجلس الإدارة في ثبات عميق.

أيضاً تبيّن هيمنة المصالح الخاصّة المُزمنة على قطاع الرعاية الصحّية والمستشفيات الحكوميّة الحاجة المُلحّة لإجراء إصلاحات مؤسّسيّة ورقمنة العمل فيها. أدّت المحاولات البسيطة للتطوير والاستثمار في المستشفيّات الحكوميّة إلى تحسينات خجولة في وصول المواطنين إلى الرعاية الصحّية، لكنّها لم تُثمر بسبب قصور مؤسّسي فاضح يعتريها ويتمثّل بالافتقار إلى المراقبة والإشراف والشفافيّة، وضعف المعايير المُتبعة في التوظيف والإدارة، فضلاً عن غياب الرقمنة في عمليّة حفظ سجّلات المرضى الطبيّة ما يؤدّي إلى تقليل كفاءة القطاع.

المُضي قدماً

كلّف الفساد ديوناً هائلة وساهم في تدهور نوعية الحياة والقدرة التنافسيّة. حالياً يتوقّف التعافي الاقتصادي وجذب الرساميل مُستقبلاً على الحدّ من الفساد وتحسين الأداء المؤسّسي، وهو ما يجعل الالتزام بخطّة تحوّل متينة وطويلة الأجل أمراً ملحّاً. في الواقع، تُعتبر هذه التحوّلات جزءاً لا يتجزّأ من الإصلاحات المؤسّسيّة، وهي تتطلّب بطبيعة الحال التزاماً سياسيّاً، إذ تبدأ بإنشاء هيئات رقابيّة وتنظيميّة مُستقلّة، تُحدّد الوظائف انطلاقاً من تمثيلها لمختلف أصحاب المصلحة، على أن تُدمَج بعدها في إطار أوسع للإصلاحات، وأن تُمنح الاستقلاليّة الماليّة، فضلاً عن السلطة والقدرة على تقييم جودة التنظيم، والتنسيق مع أصحاب المصلحة، واتخاذ قراراتها باستقلاليّة عن المصالح السياسيّة الطاغية. أيضاً تبرز متطلّبات رئيسيّة أخرى لضمان نجاحها تكمن في توظيف مُتخصّصين مُستقلّين وفقاً لمعايير الكفاءة والمؤهّلات المهنيّة، فضلاً عن تحديد صلاحيّاتها المؤسّسيّة بوضوح للتخفيف من مخاطر تقويض السلطات وضياع المسؤوليّات. عملياً، هناك حاجة إلى طبقات وظيفيّة عديدة وخبرات وموارد تنظيميّة وبشريّة لتصميم الهياكل التفصيليّة، وكذلك توضيح دور المسؤول المُعيّن أو الوزير المختصّ للحدّ من التأثيرات السياسيّة على القطاع، الذي يفترض أن يحدّد الخبراء مسار أدائه، وأن ينبثق عن سياسات وأطر تنظيميّة وهياكل مؤسّسيّة صلبة تكبح المصالح الخاصّة وتراقبها.

يُعتبر وضع آليّات مناسبة للرصد والمحاسبة عاملاً حاسماً لإجراء الإصلاحات المؤسّسيّة وتجنّب الوقوع في فخّ القصور السابق، فيما يتطلّب تعزيزها مشاركة المواطنين. طبعاً هذه الآليّات ليست ضروريّة لتحسين الأداء والخدمات القطاعيّة فحسب، إنّما لضمان التعافي المتمحور حول الناس أيضاً، وهو ما جرى تناوله في "إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار في لبنان"، الصادر في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، ويوصي بتنفيذ آليّات رقابيّة على أموال المساعدات من أجل تعزيز الشفافيّة والمساءلة، وضمان وجود بيئة تمكينيّة فعّالة تضمّ المنظّمات غير الحكوميّة في جميع المراحل بدءاً من التشاور ووصولاً إلى المراقبة[1].

تدعم الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد جهود الإصلاحات القطاعيّة من خلال توفير خارطة طريق عمليّة ومؤشّرات قابلة للقياس، وفقاً للنتيجة السابعة المُستهدفة ضمنها (تدابير وقائيّة متكاملة ضدّ الفساد على المستوى القطاعي)، من أجل تحقيق تكامل تدرّجي ضمن منصّة الوقاية من الفساد المؤسّسي عبر القطاعات. وبالتالي يمكن تحسين خطّة الوقاية وفصل قطاعي الكهرباء والصحّة ضمنها، ما يسمح بتركيز الموارد في مجالات مركّزة، وبناء القدرات، ووضع الخطط المناسبة للحدّ من تفشّي كلّ نوع من الفساد وتنامي التهديدات التي تعتري كلّ قطاع[2].

لا توجد إصلاحات من دون مؤسّسات صلبة، وكذلك لا يمكن تحسين ما يجري تجاهله دائماً. تكمن نقطة البداية في معالجة المشكلات الهيكليّة المؤسّسيّة، واعتماد منهجيّة لإدارة مخاطر الفساد، التي يفترض تقييمها في مختلف عمليّات المؤسّسات المُستقلّة، من أجل تحديد مستواها وتقديرها وتحليل العوامل التمكينيّة، وبالتالي تحديد نقاط القرار عالية المخاطر لاتخاذ إجراءات التخفيف الأمثل.

جيسيكا عبيد؛ مُستشارة مُستقلّة في سياسة الطاقة. زميلة مُقيمة سابقة في تشاتام هاوس – لندن، وكبيرة مهندسي الطاقة في برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في لبنان سابقاً.

[1] مجموعة البنك الدولي (2020)، لبنان: إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار، ص. 37-38.

[2] برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (2020)، لبنان: الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد 2020-2025، ص. 40

 

الآراء الواردة في هذا المقال لا تُمثّل بالضرورة آراء الأمم المتحدة، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة". ان هذا المقال المستقل يأتي في سياق الندوة حول مكافحة الفساد في المؤسسات المستقلة والتي تم تنظيمها بالتعاون مع مجلة الـ Executive

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول العالم

أنتم في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لبنان 
انتقلوا إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

أ

أثيوبيا أذربيجان أرمينيا

إ

إريتريا

أ

أفريقيا أفغانستان ألبانيا

إ

إندونيسيا

أ

أنغولا أوروغواي أوزبكستان أوغندا أوكرانيا

إ

إيران

ا

الأرجنتين الأردن الإكوادور البحرين البرازيل البوسنة والهرسك الجبل الأسود الجزائر الرأس الأخضر السلفادور السنغال السودان الصومال الصين العراق (جمهورية) الغابون الفلبين الكاميرون الكويت المغرب المكسيك المملكة العربية السعودية النيجر الهند اليمن

ب

بابوا غينيا الجديدة باراغواي باكستان بربادوس برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني بليز بنغلاديش بنما بنين بوتان بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي بوليفيا بيرو بيلاروسيا

ت

تايلاند تركمانستان تركيا ترينداد وتوباغو تشاد تنزانيا توغو تونس تيمور الشرقية

ج

جامايكا جزر القمر جزر المالديف جمهورية افريقيا الوسطى جمهورية الدومنيكان جمهورية الكونغو جمهورية الكونغو الديمقراطية جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية جنوب السودان جورجيا جيبوتي

ر

رواندا

ز

زامبيا زيمبابوي

س

ساموا (مكتب متعدد البلدان) ساوتومي وبرينسيب سوازيلاند سوريا سورينام سيراليون سيريلانكا

ش

شيلي

ص

صربيا

ط

طاجيكستان

غ

غامبيا غانا غواتيمالا غيانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو

ف

فنزويلا فيتنام

ق

قبرص قرغيزستان

ك

كازاخستان كمبوديا كوبا كوت ديفوار كوستاريكا كوسوفو (وفقا لقرار مجلس الأمن 1244) كولومبيا كينيا

ل

لبنان ليبيا ليبيريا ليسوتو

م

مالاوي مالي ماليزيا مدغشقر مصر مقدونيا الشمالية مكتب جزر المحيط الهادئ منغوليا موريتانيا موريشيوس وسيشيل موزمبيق مولدوفا ميانمار

ن

ناميبيا نيبال نيجيريا نيكاراغوا

ه

هايتي هندوراس